أكثر شخص ترهقه العناوين هو أنا .
هذه المرة لا أدري ما العنوان المناسب ؟!
قبل خمس سنوات , دخلت "جدتي "لأمي ؛ بيتنا قادمة من بيت خالي , قبيل المغرب وكانت في حالة ملفتة للنظر حيث كانت مضطربة الحركة , بظهر منحني , وأطرافها ترتعش بعنف . لا أدري لماذا أفزعني الموقف ؟ كنتُ مشغولاً , وواقعاً في محادثة هاتفية بالغة الأهمية , وقبلها كنت في حديث مهم مع أحد أفراد الأسرة . خرجت من البيت فلم أستطع رؤية "جدتي " بهذا المشهد . لأول مرة أراها بهذا الوضع , وهي مرتبكة وتائهة وتدور حول نفسها .
عند وقت العشاء . وصلني الخبر . نقلت "الجدة "إلى المستشفى , إثر إصابتها بجلطة , عفواً أكثر من جلطة أنهت حياتها بشكل تام وأحالتها من الحركة إلى الشلل . تحولت "جدتي " من كائن حي إلى جسد ملموم صغير مسجى على سرير .
زرتها أكثر من مرة , في مثواها قبل الأخير , وهي غير قادرة على أي شيء , حتى الأكل , حتى الشرب , حتى الكلام , حتى السمع . ثم انقطعت عن زيارتها , ليس تكبراً ولا اغتراراً بنرجسية الحياة , ولونها الزخرفي , بل لأنني لا أستطيع رؤيتها بهذه الحالة .
لازالت ذكراها , وسيرتها , وماضيها , وسنين العطاء , وحبها , واحتوائها , ولطفها , وأحاديثها , ضحكاتها كلها تدور في ذاكرتي , تتبلور في فكري . أعود إلى الماضي حينما كانت تحتضننا في الرياض , حينما كانت تلمنا في الرياض , حينما كنا نخرج جميعاً , كلماتها قصصها وحكاياتها .
"جدتي" اليوم , هي جزء من ذاكرة , هي ورقة من ماضي مضى وانتهى . هكذا هي الحياة مجرد مواضي , فكلنا في لحظة سنصيرُ مجرد ماضي . المهم تركتنا التي سنتركها لتعبر عنا . لتحكي عنا . سنترك خلفنا صورة في ذهن من ورائنا , تعبر عنا بصدق . اليوم مضت خمس سنوات كنتُ دوماً أفكر أن أكتب عن جدتي عن هذا الموقف تحديداً , لكنني لاأدري أكان عجزاً مني أن لم أكتب ؟ أووهماً فربما توهمتُ أنها قد تعود يوماً ما إلى حالتها الأولى فتشفى وتملأ الدنيا حبَّاً كما كانت . ليس من السهل أن تخسر شخصاً , سيما وإن كان أصلاً , وليس أي أصل بل أ
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ